المقريزي
24
إمتاع الأسماع
فصل في ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ثلاثين امرأة ، منهن واحدة وهبت نفسها ، وإحدى عشرة امرأة دخل بهن ، وسبع عقد عليهن ولم يدخل بهن ، ومات من نسائه في حياته اثنتان ، وتوفي عن تسع ، ولم يتزوج بكرا غير واحدة . " أم المؤمنين خديجة بنت خويلد " ( * )
--> * - هي خديجة أم المؤمنين ، وسيدة نساء العالمين في زمانها ، أم القاسم ابنة خويلة بن أسد بن عبد العزى ابن قصي بن كلاب ، القرشية الأسدية ، أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد ، وثبتت جأشه ، ومضت به إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل ، كما جاء في حديث عائشة في البخاري : بدء الوحي ، وفيه أن خديجة ، قالت له صلى الله عليه وسلم : كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . وفيه أنها انطلقت إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل وقالت له : اسمع من ابن أخيك ، وأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذع ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ومناقبها جمة ، وهي ممن كمل من النساء ، كانت عاقلة ، جليلة ، دينة ، مصونة ، كريمة ، من أهل الجنة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها ، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ، ويبالغ في تعظيمها ، بحيث إن عائشة كانت تقول : ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة ، من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها . ومن كرامتها عليه صلى الله عليه وسلم أنه لم يتزوج امرأة قبلها ، وجاءه منها عدة أولاد ، ولم يتزوج عليها قط ، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها ، فوجد لفقدها ، فإنها كانت نعم القرين ، وكانت تنفق عليه من مالها ، ويتجر هو صلى الله عليه وسلم لها ، وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب . والقصب في هذا الحديث : لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف ، وقد جاء تفسيره في ( كبير الطبراني ) من حديث أبي هريرة ولفظه : ( بيت من لؤلؤة مجوفة ) ، والصخب : ( اختلاط الأصوات ) ، والنصب : التعب . قال الزبير بن بكار : كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة ، وأمها هي فاطمة بن زائدة العامرية . كانت خديجة أولا تحت أبي هالة زرارة التميمي ، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ثم بعده النبي صلى الله عليه وسلم ، فبنى بها وله خمس وعشرون سنة ، وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة . وقال مروان بن معاوية ، عن وائل بن داود ، عن عبد الله البهي قال : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها ، واستغفارا لها ، فذكرها يوما فحملتني الغيرة فقلت : لقد عوضك الله من كبيرة السن ! قال : فرأيته غضب غضبا . أسقطت في خلدي ، وقلت في نفسي : اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت ، قال : والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس ، وآوتني إذ رفضني الناس ، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني قالت : فغدا وراح علي بها شهرا . " الخلد ، بالتحريك : البال والقلب والنفس " . هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ، مما كنت أسمع من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين . محمد بن فضيل عن عمارة ، عن أبي زرعة ، سمع أبا هريرة يقول : أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب . متفق عليه صحته . عبد الله بن جعفر : سمعت عليا : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير نسائها خديجة بنت خويلد ، وخير نسائها مريم بنت عمران . أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي : باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها ، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين ، والترمذي في المناقب . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير نسائها ) ، قال القرطبي : الضمير عائد على غير مذكور ، لكنه يفسره الحال والمشاهدة ، يعني به الدنيا ، والمعنى أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها . قال ابن إسحاق : تتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلاك أبي طالب وخديجة ، وكانت خديجة وزيرة صدق ، وهي أقرب إلى قصي من النبي صلى الله عليه وسلم ، برجل ، وكانت متمولة فعرضت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج في مالها إلى الشام ، فخرج مع مولاها ميسرة ، فلما قدم باعت خديجة ما جاء به ، فأضعف ، فرغبت فيه ، فعرضت نفسها عليه ، فتزوجها ، وأصدقها عشرين بكرة . قال الشيخ عز الدين بن الأثير : خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين . وقال الزهري ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، وابن إسحاق . والواقدي ، وسعيد بن يحيى : أول من آمن بالله ورسوله خديجة ، وأبو بكر ، وعلي ، رضي الله تعالى عنهم . قال ابن إسحاق : حدثني إسماعيل بن أبي حكيم - أنه بلغه عن خديجة أنها قالت : يا ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك ؟ فلما جاءه قال : يا خديجة ، هذا جبريل ، فقالت : اقعد على فخذي ففعل ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فتحول إلى الفخذ اليسرى ، ففعل ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، فألقت خمارها ، وحسرت عن صدرها ، فقالت : هل تراه ؟ قال : لا ، قالت : أبشر ، فإنه والله ملك وليس بشيطان . " رجاله ثقات ، لكنه منقطع " . حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى خشي عليه ، حتى تزوج عائشة ، " رجاله ثقات لكنه مرسل " . معمر عن قتادة ، وأبو جعفر الرازي ، عن ثابت ، واللفظ لقتادة ، عن أس مرفوعا : حسبك من نساء العالمين أربع . " إسناده صحيح وأخرجه الترمذي في المناقب ، والحاكم ، وأحمد " . الدراوردي ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم ، فاطمة ، وخديجة ، وامرأة فرعون آسية . " رجاله ثقات " . وروى عروة ، عن عائشة قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة ، وقال الواقدي : توفيت في رمضان ، ودفنت بالحجون . وقال قتادة : ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين ، وكذا قال عروة . * لها ترجمة في : ( طبقات ابن سعد ) : 8 / 52 ، 1 / 133 ، ( المستدرك ) : 3 / 200 - 206 ، كتاب معرفة الصحابة ، باب ومنهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى رضي الله تعالى عنها ، الأحاديث من رقم ( 4834 / 432 ) إلى رقم ( 4856 / 454 ) ، ( الإستيعاب ) : 4 / 1817 - 1825 ، ترجمة رقم ( 2311 ) ، ( المعارف ) : 59 ، 70 ، 132 ، 144 ، 150 ، 219 ، 311 ، ( جامع الأصول ) : 9 / 120 - 125 ، القسم الثاني من الفرع الثاني من الباب الرابع في فضائل النساء الصحابيات رضي الله تعالى عنهن ، الأحاديث من رقم ( 6666 ) إلى رقم ( 6670 ) ، ( الإصابة ) : / 600 - 605 ترجمة رقم ( 11086 ) ، ( كنز العمال ) : 13 / 690 - 693 باب فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة ، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، الأحاديث أرقام من ( 37762 ) إلى ( 37770 ) ، ( شذرات الذهب ) : 1 / 14 .